بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

- 21 نوفمبر 2019 ء

الشيخ محمد يوسف البنوري

الشيخ محمد يوسف البنوري

هو السيد محمد يوسف بن محمد زكريا بن مير مزمل شاه بن مير أحمد شاه بن مير موسى بن غلام حبيب بن رحمت الله بن عبد الأحد بن حضرت محمد أولياء بن السيد آدم البنوري، وينتهي نسبه إلى سيدنا علي -رضى الله عنه-، وكان -رحمه الله- من السادات.


مولده وموطنه:

ولد -رحمه الله- ليلة الخميس السادس من ربيع الآخر وقت السحر سنة ألف وثلاثمائة وعشرين هجرية الموافق سنة ألف وتسعمائة وثمانية ميلادية في قرية "مهابت آباد" من مديرية مردان، وكان جده الأعلى السيد آدم -رحمه الله- أقام فى قرية ((بنور)) (بفتح الباء وضم النون من غير تشديد وسكون الواو)من مديرية أنباله (الهند)، ولذا تنسب هذه الأسرة الكريمة إلى "بنور"، و كان جد الشيخ -رحمه الله- السيد مير أحمد شاه قد رزقه الله –تعالى- شهرة حظا كبيرا من التقوى والصلاح، والأسرة البنورية جمع الله فيها كل أنواع الخير من العلم والتقوى وخدمة العلوم النبوية.

رحلته للعلم:

تعلم القرآن الكريم والمبادى على والده السيد محمد زكريا وقرأ الكتب المتوسطة من الفنون المختلفة على علماء "بشاور" و"كابل"، ومن أكبر مشايخه فى هذه الفنون الشيخ عبد القدير اللمقاني الأفغاني قاضى محكمة المرافعة في "جلال آباد" من بلاد "أفغانستان"، وحضه شوقه العلمي في الإستزادة من العلوم على السفر إلى الديار الهندية لالتحاقه بــ "جامعة دارالعلوم الديوبند" فالتحق بها سنة 1345هـ، وأكمل فيها الدراسة العالية.

وعند ما عزم الشيخ العلامة محمد أنور شاه الكشميري والشيخ المحقق العثماني على الرحيل من دار العلوم الديوبند ونزلا بالجامعة الإسلامية بـ"بدابيل سورت" تبعهما الشيخ البنوري وزملائه قضاءاً لواجبهما ووفاءاً لصلتهم بهما، وفي "الجامعة الإسلامية"هذه تخرج الشيخ البنوري، وعلى يدي الشيخ الكشميري أكمل دراسته لكتب الحديث.

هجرته إلى باكستان:

إن حِكَم الله تعالى عجيبة، ولايمكن بشر أن يبلغ كنهها، وقد سبقت المشيئة الأزلية أن يسافر هذا العالم الكبير إلى أرض "باكستان"، وينتفع بعلومه أهالي "باكستان"، فهيأله أسباباً للهجرة، وألح عليه الشيخان شبير أحمد العثماني وبدرعالم المدني -رحمهما الله تعالى- للهجرة فامتثالاً لأمرهما هاجر إلى "باكستان" فى السادس عشر من يناير سنة 1951م.

مكانته العلمية ومناصبه:

وبم أن الله منحه ملكات في كل فن، ورزقه ذهناً وقاداً، وبصيرة ثاقبة، وعلماً وهبياً، وذاكرةً قويةً، وقدرةً على كل فن من العلوم الدينية، ومهارة تامة في التدريس والتصنيف، وكان كل ذلك يتجلى في كلامه وتدريسه وكتابه وخطابه، ووعظه وإرشاده، قدره أصحاب الفراسة وأرباب الإدارات العلمية، ولما كان شيخنا -رحمه الله- في "دابيل" عرض عليه مشايخه منصب الإفتاء، وكذا مسند تدريس القسم العالي في جامعة ديوبند الإسلامية.

ونظراً إلى أنه من أشهر تلاميذ الشيخ الكشميري -رحمه الله- الذي لازمه ورافقه حتى صار أميناً لعلومه وشارحاً لثروته العلمية ، واعترافا لمكانته العلمية والمواهب الربانية انتخب مدرساً في الجامعة الإسلامية "بدابيل" فى مقاطعة "بمباى" الهند بعد وفاة شيخه -رحمه الله- إلى أن صار فيها شيخ الحديث ورئيس المدرسين وعضو المجلس العلمي.

انتخب رئيساً لـ "جميعة العلماء" في إقليم "بشاور" فترة من الزمن لإنهاء اختلال الاستعمار سنة 1930م.
انتخب رئيساً لـ"جميعة علماء الهند" في ولاية"غجرات"من مقاطعات "بومباى"، وكان عضواً بارزاً في "لجنة الأوقاف" .
تولى رئاسة قسم التفسير في مستهل قدومه "باكستان" في مدينة "تندو الله يار" بالسند.-كان عضواً بارزاً في "المجمع العلمي العربي" بدمشق.
كما تولى رئاسة "جمعية تحفظ ختم النبوة" بـ "باكستان".

مؤلفاته:

إن مؤلفات الشيخ -رحمه الله- كلها فى العربية الفصحى بعبارة رائقة، وأسلوب بديع ما يجلب الأنظار، وفيما يلي عرض لمؤلفاته القيّمة عرضاً سريعاً:

بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب.
نفحة العنبر في حياة إمام العصر الشيخ محمد أنور.
يتيمة البيان فى شيئ من علوم القرآن.
معارف السنن شرح جامع الترمذي، وهذا الكتاب يعتبر من أهم تأليفاته -رحمه الله-.
عوارف المنن مقدمة معارف السنن.
الأستاذ المودودي وشيئ من حياته وأفكاره.
فص الختام في مسألة الفاتحة خلف الإمام.
كتاب الوتر. وغيرها من الكتب القيمة.

وفاته:

توفي هذا العالم النحرير والمجاهد الكبير إثرنوبة قلبية عند حضوره لإجتماع في إسلام آباد وذلك:يــوم الإثنين لتاريخ 3/11/1397هـ المــوافق 17/10/1977م، وكانت جنازته مشهـودة لم تُرلها نظيراً في ذلك العصرفرحمه الله رحمةً واسعةً،وتقبل منه هذا السعي المبارك.

بقلم مؤسس الجامعة فضيلة العلامة الشيخ محمد يوسف البنوري -رحمه الله تعالى-

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى، وعلى آله وصحبه ما كفى وشفى، وعلى من اتبع هديه وهداه، ففاز بالحظ الأوفى، وبعد:
فكنت قضيت حياتي في ظل المعاهد الدينية إما طالباً تلميذاً متعلماً، وإما أستاذاً مدرساً ومعلماً، قضيت شبابي وفتوتي في الاستفادة من رجال العلم إما في المساجد على عادة البلاد، وإما في الإدارات العلمية أو المعاهد الإسلامية، وتقلبت في الدراسة في درجات مختلفة كما تقلبت في مناصب شتى، وكنت بعد ما تم نضج الفكر أقرأ أحوال المعاهد من التدريس عمليا وأشاهدها بروية وتفكير، فكان يخطر ببالى أن إذا وفقت لتأسيس مدرسة أو معهد أجتهد في أمور أذكرها فيما يلى:

أولاً: إدخال تعديلات في المناهج الرائجة دراسياً وانتظامياً ما يؤهل الطالب لخدمة الإسلام في العصر الحاضر.
ثانياً: تربية التلاميذ والطلبة خلقيًا ودينيًا تحت مراقبة لاتقل عن المراقبة على الدراسة ونظم الدراسة.
ثالثاً: تسديد آراء التلاميذ وإرشادهم إلى أن الهدف من هذه المعاهد ليس الحصول على الشهادة ثم الحصول على منصب حكومي أو شعبي للتدريس أو الخطابة أو التأليف، بل الهدف الوحيد الحصول على الكمال العلمي والبراعة في العلوم الدينية لخدمة الدين، ووقف الحياة لخدمة الإسلام، والتفدية للقيام بهذه الخدمة، والتفانى في الحق بأن ينال حظه من وراثة النبوة وعلومها من غير أن يبتغي بها متاع الحياة الدنيا من مال أو جاه، أو حب الشهرة والثناء وتقدير الرجال؛ فيكون أرفع شأناً من جميع هذه الجهات المادية؛ فيستحق كل مزية وردت في الأحاديث النبوية الكريمة من علو الدرجات في الآخرة، وقبول عند الله ودعوات الملائكة وحيتان البحر وغيرها.
رابعاً: أن يحصل للطالب براعة في الكتابة ومهارة في الخطابة بأسلوب عصري رائج لكي يكون لقوله مكانة ومنزلة عند السامعين لأجل خدمة الدين.
خامساً: أن يكون له ملكة في البيان باللغة العربية الأدبية الفحصى كتابة وخطابة، فيطالع ما يكون له عون لحصولها ويتدرب تدرباً كاملاً للنطق وتحسين أسلوب النطق لكي ينجو من العي والهجنة.
سادساً: أن يكون له إلمام بالتاريخ ولاسيما بالتاريخ العلمي؛ فيطالع كتبا نافعة كـ "المعارف" لابن قتيبة، و"عيون الشمائل" و"السير" لابن سيد الناس اليعمري، و"تلقيح فهوم الأثر" لابن الجوزي، و"مقدمة تاريخ ابن خلدون" و"الإعلان بالتوبيخ" للسخاوي وأمثالها.
سابعاً: أن يقرر فى المناهج الدراسية في كل صف كتاب فى التاريخ إما للمطالعة وإما للدراسة –وفق استعداد التلميذ- ويمتحن فيه.
ثامناً: أن تكون العناية بالمنقول أكثر من العناية بالمعقول وخصوصاً في علوم القرآن وعلوم السنة والمصطلح والأصول والفقه.
تاسعاً: أن يكون هناك درجات للتخصص في الحديث والفقه الإسلامي والدعوة والإرشاد وغيرها، فيختار الطالب منها درجة توافق ذوقه الطبيعي، حيث إن طبائع العصر قد فترت همتها للإحاطة بجميع العلوم مع أن العلوم قد كثرت وتشتت؛ فالمهارة فيها قلما تحصل لأحد إلا لأفذاذ وأفراد من الرجال.
عاشراً: أن يجتهد لانتخاب صفوة العلماء المدرسين الصالحين من يجمع مع إخلاصه التقوى، ومع نبوغه فى العلم الحرص على الإفادة والمكابدة وتحمل العناء ابتغاء لوجه الله –تعالى-.
ثم إن مثل هذا العمل العظيم يقوم بمثله عظماء وكبراء ملئت قلوبهم إخلاصاً ويقيناً صادقاً، وجمعوا مع مهارة فى العلوم والمعارف صحبة طويلة مع أرباب القلوب الزكية لكي يتأتى الانصباغ الكامل، ويكونوا متصفين بالاستقامة والجهد الدائب لايعرفون مللاً ولاضجراً ولاسآمة، تفانوا في الحق للحق، واستعدوا لكل تضحية من أوقاتهم، يكون هدفهم الوحيد تربية ناشئة جديدة وجيل جديد لكي يصبحوا علماء ربانيين، وينتشروا في ربوع العالم عيونا ثرة فياضة يسقون كل غلة ويشفون كل علة بتوفيق الله –سبحانه- ومعونته.

وهذه ميزات وخصائص أنّٰى لمثلي مثلها؟ فكنت أفكر فى الأمر بضع سنين، وقد رأت السيدة حليلتي المغفور لها رؤيا بمكة المكرمة بعد الفراغ من مناسك الحج فى آخر ذي الحجة الحرام سنة 1369هـ، وهى طويلة أدركت منها أن سأوفق قريباً إلى هذه الخدمة التي أتمناها، ولكن أردت قبل كل شيئ أن أتوسل إلى الله –تعالى- بدعوات وابتهال وضراعة، واستخارات مأثورة مباركة، فعزمت على حج بيت الله الحرام كالوسيلة بهذا العمل المبرور إلى إنجاز ما قصدت وإلى توفيق لما عزمت، فوفقنى الله للدعوات في سائر الأمكنة المقدسة الطاهرة من مشاعر الحج داعياً وملبياً، ثم في الحرم النبوي، ولبثت فوق شهر بالمدينة المنورة –زادها الله نورًا- داعيًا وباكيًا إلى أن ثلج صدري بالإقدام إلى إنجاز الأمل، فرجعت إلى البلاد، غير أن الطريق أمامي كانت وعرة صعبة غير واضحة، والوسائل المادية كانت مفقودة، فبقيت أتروى وأتفكر، أتقدم وأتأخر إلى أن جلست ببقعة لم يكن فيها بيت يكنّني من المطر أو يظلني من الشمس.

وكنت أعلنت في الجرائد افتتاح درجة للتخصص والتكميل في علوم القرآن والسنة والفقه الإسلامي والأدب العربى للعلماء الذين فرغوا من تلقى العلوم الرائجة في معاهد البلاد، فوصل منهم عشر نفوس من أهل العلم والفضل الذين نالوا شهادات عالية من المعاهد والمدارس، فكان هؤلاء العشرة بذر هذه المزرعة، فبدأت العمل بهم، ولاأريد الخوض في تفصيل بقية الشئون من قلة الوسائل في كل شيئ وما قاسيناه من عنة وعناء، وما وفقنا الله من صبر واستقامة، ومهما كانت البداية متواضعة في غاية السذاجة فقد أنبتها الله نباتًا حسنًا في برهة قصيرة، وتقدمنا كل عام إلى الأمام تعليماً وعمارة فى بضع سنين، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون.

ومما هو جدير بالذكر أني كنت أردت أن يكون هذا المعهد بهذه الخصائص وإن كان هو شبه جامعة علمية ولايكون مقتصرا على حظ ضئيل من العلم غير أني وددت أن أتواضع في تسمية المعهد بأن يكون بعيدا من الفخفخة والتبجح؛ فسميته فى البدء بـ "المدرسة العربية" ولو كان العمل ممكناً بغير اسم ما سميته بشيئ، ثم كان لحكومة الكويت إدارة لتعليم اللغة العربية لأبناء البلاد باسم "المدرسة العربية" فكان البريد وما إلى ذلك ربما يختلط ويشتبه، فزدت في التسمية "الإسلامية" فأصبح اسم المعهد "المدرسة العربية الإسلامية"، وكنت أحب هذه التسمية تمسكاً بالقديم وفرارًا عن الأسامي المحدثة المعربة من اللغات الأجنبية والمأخوذة من أهل الغرب، فالتاريخ الإسلامي مملوءة صفحاته بالمدرسة والمدارس، فلأجل التواضع ولأجل التمسك بالقديم جاءت هذه التسمية، ولبثنا على ذلك برهة غير قصيرة أكثر من عشرين عاماً ولكن اضطررنا لظروف كثيرة داخلية وخارجية إلى أن نغير التسمية فسميناه "جامعة العلوم الإسلامية" ، وفيما يلي تعريف موجز لهذه الجامعة تقدمه إدارة التعليم للجامعة.

محمد يوسف البنوري

application_download