بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

29 ربیع الثانی 1443ھ 05 ديسمبر 2021 ء

مقدمة بقلم مؤسس الجامعة

مقدمة بقلم مؤسس الجامعة

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى، وعلى آله وصحبه ما كفى وشفى، وعلى من اتبع هديه وهداه، ففاز بالحظ الأوفى، وبعد:

فكنت قضيت حياتي في ظل المعاهد الدينية؛ إما طالباً تلميذاً متعلماً، وإما أستاذاً مدرساً ومعلماً، قضيت شبابي وفتوتي في الاستفادة من رجال العلم؛ إما في المساجد على عادة البلاد، وإما في الإدارات العلمية أو المعاهد الإسلامية، وتقلبت في الدراسة في درجات مختلفة كما تقلبت في مناصب شتى، وكنت بعد ما تم نضج الفكر أقرء أحوال المعاهد من التدريس عمليًا وأشاهدها بروية وتفكير، فكان يخطر ببالي أن إذا وفقت لتأسيس مدرسة أو معهد أجتهد في أمور أذكرها فيما يلى:

أولاً:                إدخال تعديلات في المناهج الرائجة دراسياً وانتظامياً ما يؤهل الطالب لخدمة الإسلام في العصر الحاضر.

ثانياً:                تربية التلاميذ والطلبة خلقيًا ودينيًا تحت مراقبة لا تقل عن المراقبة على الدراسة ونظم الدراسة.

ثالثاً:                تسديد آراء التلاميذ وإرشادهم إلى أن الهدف من هذه المعاهد ليس الحصول على الشهادة ثم الحصول على منصب حكومي أو شعبي للتدريس أو الخطابة أو التأليف، بل الهدف الوحيد: الحصول على الكمال العلمي والبراعة في العلوم الدينية لخدمة الدين، ووقف الحياة لخدمة الإسلام، و التفدية للقيام بهذه الخدمة، والتفاني في الحق بأن ينال حظه من وراثة النبوة وعلومها من غير أن يبتغي بها متاع الحياة الدنيا من مال أو جاه، أو حب الشهرة والثناء وتقدير الرجال؛ فيكون أرفع شأناً من جميع هذه الجهات المادية؛ فيستحق كل مزية وردت في الأحاديث النبوية الكريمة من علو الدرجات في الآخرة، وقبول عند الله ودعوات الملائكة وحيتان البحر وغيرها.

رابعاً:               أن يحصل للطالب براعة في الكتابة ومهارة في الخطابة بأسلوب عصري رائج؛ لكي يكون لقوله مكانة ومنزلة عند السامعين لأجل خدمة الدين.

خامساً:            أن يكون له ملكة في البيان باللغة العربية الأدبية الفصحى كتابة وخطابة، فيطالع ما يكون له عون لحصولها، ويتدرب تدرباً كاملاً للنطق وتحسين أسلوب النطق؛ لكي ينجو من العي والهجنة.

سادساً:            أن يكون له إلمام بالتاريخ ولاسيما بالتاريخ العلمي؛ فيطالع كتبا نافعة كـ "المعارف" لابن قتيبة، و"عيون الشمائل"، و"السير" لابن سيد الناس اليعمري، و"تلقيح فهوم الأثر" لابن الجوزي، و"مقدمة تاريخ ابن خلدون"، و"الإعلان بالتوبيخ" للسخاوي، وأمثالها.

سابعاً:              أن يقرر في المناهج الدراسية في كل صف كتاب في التاريخ؛ إما للمطالعة وإما للدراسة –وفق استعداد التلميذ-، ويمتحن فيه.

ثامناً:                أن تكون العناية بالمنقول أكثر من العناية بالمعقول خصوصاً في علوم القرآن وعلوم السنة والمصطلح والأصول والفقه.

تاسعاً:              أن يكون هناك أقسام للتخصّص في الحديث، والفقه الإسلامي، والأدب العربي، والدعوة والإرشاد، وغيرها، فيختار الطالب منها قسمًا يوافق ذوقه الطبيعي، حيث إن طبائع العصر قد فترت همتها للإحاطة بجميع العلوم، مع أن العلوم قد كثرت وتشتّت؛ فالمهارة فيها قلما تحصل لأحد إلا لأفذاذ وأفراد من الرجال.

عاشراً:             أن يجتهد لانتخاب صفوة العلماء المدرسين الصالحين من يجمع مع إخلاصه التقوى، ومع نبوغه في العلم الحرص على الإفادة والمكابدة وتحمل العناء ابتغاء لوجه الله –تعالى-.

ثم إن مثل هذا العمل العظيم يقوم بمثله عظماء وكبراء ملئت قلوبهم إخلاصاً ويقيناً صادقاً، وجمعوا مع مهارة في العلوم والمعارف صحبة طويلة مع أرباب القلوب الزكية؛ لكي يتأتى الانصباغ الكامل، ويكونوا متصفين بالاستقامة والجهد الدائب لا يعرفون مللاً ولا ضجراً ولا سآمة، تفانوا في الحق للحق، واستعدوا لكل تضحية من أوقاتهم، يكون هدفهم الوحيد تربية ناشئة جديدة وجيل جديد؛ لكي يصبحوا علماء ربانيين، وينتشروا في ربوع العالم عيونا ثرة فياضة، يسقون كل غلة ويشفون كل علة بتوفيق الله –سبحانه- ومعونته.

وهذه ميزات وخصائص، أنى لمثلي مثلها؟ فكنت أفكر في الأمر بضع سنين، وقد رأت السيدة حليلتي المغفور لها رؤيا بمكة المكرمة بعد الفراغ من مناسك الحج في آخر ذي الحجة الحرام سنة 1369هـ، وهى طويلة أدركت منها أني سأوفق قريباً إلى هذه الخدمة التي أتمناها، ولكن أردت قبل كل شيء أن أتوسل إلى الله –تعالى- بدعوات وابتهال وضراعة، و استخارات مأثورة مباركة، فعزمت على حج بيت الله الحرام كالوسيلة بهذا العمل المبرور إلى إنجاز ما قصدت وإلى توفيق لما عزمت، فوفقني الله للدعوات في سائر الأمكنة المقدسة الطاهرة من مشاعر الحج داعياً وملبياً، ثم في الحرم النبوي، ولبثت فوق شهر بالمدينة المنورة –زادها الله نورًا- داعيًا وباكيًا، إلى أن ثلج صدري بالإقدام إلى إنجاز الأمل، فرجعت إلى البلاد، غير أن الطريق أمامي كانت وعرة صعبة غير واضحة، والوسائل المادية كانت مفقودة، فبقيت أتروى وأتفكر، أتقدم وأتأخر إلى أن جلست ببقعة لم يكن فيها بيت يكنّني من المطر أو يظلني من الشمس.

وكنت أعلنت في الجرائد افتتاح درجة للتخصص والتكميل في علوم القرآن والسنة والفقه الإسلامي والأدب العربي للعلماء الذين فرغوا من تلقى العلوم الرائجة في معاهد البلاد، فوصل منهم عشر نفوس من أهل العلم والفضل الذين نالوا شهادات عالية من المعاهد والمدارس، فكان هؤلاء العشرة بذر هذه المزرعة، فبدأت العمل بهم، ولا أريد الخوض في تفصيل بقية الشؤون من قلة الوسائل في كل شيء وما قاسيناه من عنة وعناء، وما وفقنا الله من صبر واستقامة، ومهما كانت البداية متواضعة في غاية السذاجة فقد أنبتها الله نباتًا حسنًا في برهة قصيرة، وتقدمنا كل عام إلى الأمام تعليماً وعمارةّ في بضع سنين، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

ومما هو جدير بالذكر أني كنت أردت أن يكون هذا المعهد بهذه الخصائص وإن كان هو شبه جامعة علمية، ولا يكون مقتصرا على حظ ضئيل من العلم، غير أني وددت أن أتواضع في تسمية المعهد بأن يكون بعيدا من الفخفخة والتبجح؛ فسميته في البدء بـ "المدرسة العربية" ولو كان العمل ممكناً بغير اسم ما سميته بشيء، ثم كان لحكومة الكويت إدارة لتعليم اللغة العربية لأبناء البلاد باسم "المدرسة العربية"، فكان البريد وما إلى ذلك ربما يختلط ويشتبه، فزدت في التسمية "الإسلامية" فأصبح اسم المعهد "المدرسة العربية الإسلامية"، وكنت أحب هذه التسمية تمسكاً بالقديم وفرارًا عن الأسامي المحدثة المعربة من اللغات الأجنبية والمأخوذة من أهل الغرب، فالتاريخ الإسلامي مملوءة صفحاته بالمدرسة والمدارس، فلأجل التواضع ولأجل التمسك بالقديم جاءت هذه التسمية، ولبثنا على ذلك برهة غير قصيرة أكثر من عشرين عاماً، ولكن اضطررنا لظروف كثيرة داخلية وخارجية إلى أن نغير التسمية، فسميناه "جامعة العلوم الإسلامية"، وفيما يلي تعريف موجز لهذه الجامعة تقدمه إدارة التعليم للجامعة.

محمد يوسف البنوري